ابن عربي

31

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

الأسنان ، عنفقته بارزة ، فكّاه حول العنفقة كأنها بياض اللؤلؤ ، دقيق المرية ، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة ، معتدل الخلق ، باديا متماسكا ، سواء البطن والصدر ، عريض الصدر ، بعيد المنكبين ، جليل الكتدين ، بين منكبيه خاتم النبوة وهو شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرات متواليات كأنها من عرف فرس ، ضخم الكراديس ، أنور المتجرد ، موصول ما بين اللبّة والسّرة بشعر يجري كخط ، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك ، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر ، طويل الزندين ، رحب الراحة ، سبط العصب ، شثن الكفين والقدمين ، سائل الأطراف ، خمصان الأخمصين ، مسبح القدمين ، ينبو عنهما الماء . إذا أزل زال تقلعا ، يخطو تكفأ ، ويمشي هونا ، ذريع المشية ، كأنما ينحط من صبب ، وإذا التفت التفت جميعا ، خافض الطرف ، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء ، جلّ نظره الملاحظة ، يشوق أصحابه ، يبدأ من لقي بالسلام ، متواصل الأحزان ، دائم الفكر ، ليس له راحة ، لا ينطق في غير الحاجة ، طويل السكت ، يفتح الكلام ويختمه : ببسم اللّه ، ويتكلم بجوامع الكلم ، فضل لا فضول فيه ولا تقصير ، دمثا ليس بالجاحف ولا المهين ، يعظّم النّعم ، وإن دقت لا يذم منها شيئا ، ولا يذم مذاقا ولا يمدحه ، ولا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها ، وإذا تعرض للحق لا يعرفه أحد ، ولا يقوم لغضبه شيء حتى ينتصر له ، ولا يغضب لنفسه ، ولا ينتصر لها ، وإذا أشار أشار بكفه كلها ، وإذا تعجب قلبها كلها ، وإذا تحدث اتصل بها ، فيضرب ببطن راحته اليمنى إبهام اليسرى ، وإذا غضب أعرض وأشاح ، وإذا فرح غضّ طرفه ، جلّ ضحكه التبسم ، ويفتر عن مثل حبّ الغمام ، كان دخوله لنفسه ما دون له في ذلك . كان إذا آوى إلى منزله جزّأ نفسه ثلاثة أجزاء : جزء للّه تعالى ، وجزء لأهله ، وجزء لنفسه . ثم يجزّئ جزءه بينه وبين الناس ، فيردّ ذلك على العامة بالخاصة ، ولا يدّخر عنهم شيئا ، فكان في سيرته في جزء أهله الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه ، وقسمه عليهم على قدر فضلهم في الدنيا ، فمنهم ذو الحاجة ، ومنهم ذو الحاجتين ، ومنهم ذو الحوائج ، فيتشاغل بهم فيما أصلحهم ، والأمة عن مسألة عنهم ، وإخبارهم بالذي ينبغي لهم ، ويقول : « ليبلّغ الشاهد الغائب ، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع بلاغي ، فإن من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبّت اللّه قدمه يوم القيامة » . ولا يذكر عنده الأراذل ، ولا يقبل من أحد غيره عذره ، يدخلون زواد ، ولا يفترون إلا عن ذواق ، ويخرجون أذلة . وكان صلى اللّه عليه وسلم يخزن لسانه إلا مما يعنيهم ، ويؤلفهم ولا يفرقهم ولا ينفرهم ، ويكرم كريم